ابراهيم بن عمر البقاعي
56
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
[ سورة طه ( 20 ) : الآيات 128 إلى 135 ] أَ فَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى ( 128 ) وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى ( 129 ) فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى ( 130 ) وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى ( 131 ) وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى ( 132 ) وَقالُوا لَوْ لا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَ وَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى ( 133 ) وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى ( 134 ) قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى ( 135 ) ولما كان ما مضى من هذه السورة وما قبلها من ذكر مصارع الأقدمين ، وأحاديث المكذبين ، بسبب العصيان على الرسل ، سببا عظيما للاستبصار والبيان ، كانوا أهلا لأن ينكر عليهم لزومهم لعماهم فقال تعالى : أَ فَلَمْ يَهْدِ أي يبين لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ أي كثرة إهلاكنا لمن تقدمهم مِنَ الْقُرُونِ بتكذيبهم لرسلنا ، حال كونهم يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ ويعرفون خبرهم بالتوارث خلفا عن سلف أنا ننصر أولياءنا ونهلك أعداءنا ونفعل ما شئنا ! والأحسن أن لا يقدر مفعول ، ويكون المعنى : أو لم يقع لهم البيان الهادي ، ويكون ما بعده استئنافا عينا كما وقع البيان بقوله استئنافا : إِنَّ فِي ذلِكَ أي الإهلاك العظيم الشأن المتوالي في كل أمة لَآياتٍ عظيمات البيان لِأُولِي النُّهى * أي العقول التي من شأنها النهي عما لا ينفع فضلا عما يضر ، فإنها تدل بتواليها على قدرة الفاعل ، وبتخصيص الكافر بالهلاك والمؤمن بالنجاة على تمام العلم مع عموم القدرة ، وعلى أنه تعالى لا يقر على الفساد وإن أمهل - إلى غير ذلك ممن له وازع من عقله . ولما هددهم بإهلاك الماضين ، ذكر سبب التأخير عنهم ، عاطفا على ما أرشد إلى تقديره السياق ، وهو مثل أن يقال : فلو أراد سبحانه لعجل عذابهم : وَلَوْ لا كَلِمَةٌ أي عظيمة ماضية نافذة سَبَقَتْ أي في الأزل مِنْ رَبِّكَ الذي عودك بالإحسان بأنه يعامل بالحلم والأناة ، وأنه لا يستأصل مكذبيك ، بل يمد لهم ، ليرد من شاء منهم ويخرج من أصلاب بعضهم من يعبده ، وإنما ذلك إكراما لك ورحمة لأمتك لأنا كما قلنا أول السورة ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى بإهلاكهم وإن كانوا قوما لدا ، ولا بغير ذلك ، وما أنزلناه إلا لتكثر أتباعك ، فيعملوا الخيرات ، فيكون ذلك زيادة في شرفك ، وإلى ذلك الإشارة بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم « وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه اللّه إليّ فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا » لَكانَ أي العذاب لِزاماً أي لازما أعظم لزوم لكل من أذنب عند